إن نظام التمويل الإسلامي الذي عمل بكفاءة لعدة قرون خلال فترة ازدهار الحضارة الإسلامية ، والذي حلَّ مَحلَّهُ النظام التقليدي إثر احتلال معظم البلدان الإسلامية ، شهد نهضة وعودة طيلة العقود الثلاثة الماضية. فعدد كبير من المؤسسات المالية الإسلامية أنشئت حول العالم ، وعدد من المصارف التقليدية افتتحت لها نوافذ خدمات مالية إسلامية. وكل هذه المؤسسات قد قامت إلى الآن بمهمتها بدرجة مقبولة ولاقت قبولاً دولياً. ولكنها بالرغم من ذلك تحتاج إلى مزيد من الدعم حتى يكون بوسعها الاستمرار في نموها المتواتر وتعزيز قبولها دولياً.
وهذا أمر يدعو إلى الاحتفاء بالتدابير التي يتعيَّن اتخاذها لتقوية هذه المؤسسات. وأحد هذه التدابير إيجاد بيئة مواتية. ومن بين عناصر هذه البيئة المطلوبة : قطاع مالي يتمتع بانضباط تام في سوقه ، والتزام أخلاقي كامل من جانب المؤسسات المالية وكذا من طرف مستخدمي التمويل ، ومحيط اجتماعي وسياسي مناسب ، مع وجود المؤسسات المشتركة المطلوبة للنظام المالي الإسلامي ، وضوابط قانونية ومؤسسية فاعلة ومطبقة فعلاً. ومما لا غنى عنه كذلك إيجاد إدارة مؤسسية متطورة ، والتي اكتسبت أهمية كبرى خلال العقدين الماضيين حتى في النظام المالي التقليدي. وللإدارة المؤسسية أهمية أكبر في النظام الإسلامي نظراً للمخاطر الإضافية التي يتعرض لها المودعون بسبب أنهم يشاركون في المخاطر.
وهذا ما حدا بهذه الدراسة أن تناقش بعض الجوانب الأساسية للإدارة المؤسسية ، بما في ذلك أهدافها ، وآلياتها وأدواتها. وأحد أهم هذه الأهداف هو تسوية أو إزالة تعارض المصالح بين الموكل والوكيل بهدف الحرص على تحقيق مصالح جميع أصحاب الحقوق إضافة إلى سلامة واستقرار النظام المالي. ومن أهم آليات هذا الهدف هي مجلس المديرين ، والإدارة العليا، والمساهمون والمودعون. وقد ناقشت الدراسة التدابير التي ستجعل مجلس المديرين والإدارة العليا أكثر فعالية ومحاسبة على أداء مهامها ، والتي ستجعل المساهمين والمودعين يقومون بدور أكبر في حماية حقوقهم الخاصة. ثم تناولت الدراسة بعض الوسائل الموحدة المتوفرة التي تجعل مجلس وأعضاء الإدارة أكثر فعالية ومسؤولية. وتشمل هذه الوسائل نظم الرقابة الداخلية المناسبة وإدارة المخاطر ، والشفافية ، ومحاسبة القروض والإفصاح عنها ، والموافقة الشرعية، والتدقيق الشرعي ، والتدقيق الخارجي ، والرقابة والإشراف. ومن الضروري تطبيق كل هذه الوسائل بفعالية. ولكن كل ذلك لا يغني عن الحاجة إلى الالتزام الأخلاقي الجاد من جانب من يقومون بتصريف شؤون النظام المالي الإسلامي. ومن دون ذلك الالتزام ، يصعب إيجاد التزام على المستوى الفردي لتطبيق هذه التدابير والوسائل. فالذين يعملون في السوق سيسعون إلى الطرق المتعددة للخروج على القانون دون أن يتم التحقيق معهم ومعاقبتهم. وهذا أمر يدعو إلى ظهور الضوابط والموانع القانونية والتي سيصحب التطبيق الفعال لها زيادة نفقات المعاملات بدرجة كبيرة. ومَّما هو مطلوب كذلك تأسيس عدد من المؤسسات المشتركة التي تجعل النظام المالي يعمل بفعالية كبيرة. وإذا لم تقم هذه المؤسسات فإن المصارف ، حتى تلك التي لديها إدارة مؤسسية جيدة ، لن تستطيع أن تتفادى الأزمات.
وطالما أن الأداء الفعال لآليات وأدوات الإدارة المؤسسية وكذلك إنشاء المؤسسات المشتركة ستتم تدريجياً خلال فترة زمنية ، فإن النظام المالي الإسلامي سيتطوَّر كذلك بالتدريج. وهذه الدعوة للمنهج المتدرج يجب ألاَّ تكون رخصة لعدم القيام بأي شيء يساعد النظام المالي الإسلامي على التوسُّع والتحسُّن السريع ليكون بوسعه مواجهة التحدَّيات التي تجابهه بنجاح.
ولإضفاء لمسة واقعية على هذه الدراسة ، فقد أجريت دراسة ميدانية تطبيقية على المنظمين ، والمؤسسات المالية ، والمودعين في الدول الأعضاء بالبنك الإسلامي للتنمية. وحيث أن العينة صغيرة نسبياً ، فيجب الحذر في استخلاص النتائج. ومع ذلك ، فإن النتائج المحصل عليها قد أعطت نظرة جيدة ومعقولة عن بعض الخصائص الأساسية للمصارف الإسلامية. فقد أشارت النتائج إلى أن المصارف الإسلامية تعمل في بيئة غير مواتية وبعض مصاعبها قد تكون بسبب هذه البيئة. وبما أن هذه المصارف لم تستطع حتى الآن تحقيق تقدم كبير حيال صيغ التمويل التي تقوم على المشاركة في الأرباح والخسائر فإن المنظمين لا يرون فارقاً كبيراً في المخاطر المرتبطة بالمصرفية الإسلامية والتقليدية. وهذا ما انعكس في نطاق الإشراف والرقابة ونتيجة لذلك ، فإن هنالك آفاقاً أرحب للإصلاح الرقابي الذي يساعد المصارف الإسلامية على مواجهة التحديات التي تقف أمامها بنجاح. وتشير نتائج الدراسة الميدانية كذلك إلى أن هنالك حاجة للتحسين في تشكيل مجالس المديرين والإدارة ،وفي الإجراءات القانونية وحماية أصحاب الحقوق الآخرين غير المساهمين ، وخاصة المودعين. وقد أشارت الدراسة الميدانية للمودعين أن نظام السوق يؤدي دوراً مهماً في ضبط إدارات المصارف. وهذا أمر يكن تعزيزه وتحسينه إذا تم تمثيل المودعين في مجالس الإدارات كما يقول بذلك أغلبهم. |