يهدف البحث إلى دراسة أنواع وأشكال الإيرادات العامة في صدر الدولة الإسلامية من أجل استنباط الملامح الرئيسية لنظام الإيرادات العامة في الإسلام ، وهو يتألف من أربعة أقسام :
يختص القسم الأول بدراسة الإيرادات العامة في العهد النبوي ، ويلاحظ أن لطريقة نشوء الدول الإسلامية مبتدئة من دعوة فردية في مجتمع عريض تأثيراً على طبيعة الإيرادات العامة .
ذلك أن هذه الدولة لم ترث دولة سابقة لها ذات نظام ومؤسسات ، وإنما نشأت عن حماس المؤمنين بالدين الجديد لدينهم وقيامهم على حماية ونصرة نبيهم الذي أرسل إليهم .
وقد قسم العهد النبوي إلى مرحلتين ، أولاهما : حددت بالفترة من تأسيس الدولة النبوية في المدينة المنورة حتى كثرة الفتوح وبدء سيل إيرادات الغنائم . وثانيتهما : فترة ما بعد كثرة الفتوح والغنائم ، وهذا التحدي لا يضع نقطة زمنية دقيقة ، وذلك لصعوبة تحديد فاصل زمني دقيق ، لأن النصوص التي بين أيدينا تدل على الظروف العامة لأحداثها ، ولا تحدد تتابعاً زمنيا دقيقاً .
ويلاحظ في كلا الفترتين وجود ظاهرتين مهمتين أولاهما : كثرة واستمرار الاعتماد على التبرعات التطوعية من الأفراد في تم,يل الإنفاق العام ، وثانيتهما : عدم اللجوء الى فرض الضرائب بأي شكل أو نوع فيما عدا الزكاة التي فرضت في السنة الثانية للهجرة ، وإن كان يبدو من الوثيقة الدستورية التي أصدرها الرسول صلى الله عليه وسلم بعيد الهجرة أن المؤمنين يلتزمون ببعض النفقات العامة ، منها إعانة من تثفله الديون في دية أو إعسار أو فداء من أسر . أي أن هذه الوثيقة توحي بإمكان وجود التزام مالي عام لسداد بعض الحاجات العامة الأساسية .
ويلاحظ في العصر النبوي أيضا تأدية بعض خدمات الرعاية الاجتماعية ، مثل سداد ديون من يموت دون أن يترك لها وفاء ، إذا توفرت للدولة إيرادات مالية غير ضريبية .
كما يلاحظ في المرحلة الثانية من العصر النبوي على وجه الخصوص وجود ظاهرتين أخريين هما : بدء تكوين مصادر غير ضريبية للإيرادات تتصف بديمومتها عن طريق امتلاك الدول لأموال ثابتة ذات ريع دائم ، وبدء ممارسة الاقتراض العام الإجباري والطوعي . فقد استلف الرسول صلى الله عليه وسلم أدرعاً من صفوان بن أمية حتى ظن صفوان أن ذلك غصب ، كما استلف زكاة عام قابل من عمه العباس .
ويختص القسم الثاني بالإيرادات العامة في العهد الراشدي ، وهنا نلاحظ ظاهرة هامة جدا ، وهي توسع الخراج ، وهو إيراد غير ضريبي يتمثل في غلة الأصول الثابتة – الأراضي – المملوكة للمسلمين عامة الذين تمثلهم الدولة الإسلامية في إدارة هذه الأملاك . يضاف إلى ذلك اصطفاء الأراضي وتوسع الحمى ، وكلاهما يمثلان بناء قاعدة اقتصادية للقطاع العام قائمة على مبدأ الملكية العامة التي تترافق في النظام الإسلامي مع الملكية الخاصة .
ونلاحظ أيضا في العهد الراشدي إدخال نوع آخر من الإيرادات العامة وهو عشور تجارة أهل الحرب ، وهي ضريبة فرضت تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل . وقد درسنا في البحث الفرق بينها وبين الرسوم الجمركية المعاصرة كنها وتعريفا وهدفا .
كما بدأت في هذا العهد ممارسة نقل حصيلة الزكاة من بلد إلى آخر واختفت أو كادت ظاهرة التبرع لبيت المال ، وكذا ظاهرة الاقتراض العام . كما أن الدولة لم تقم بفرض أية ضرائب ، ولعل أهم سبب في ذلك هو كثرة موارد الدولة وعدم حاجتها لأي من هذه الإيرادات .
أما القسم الثالث فيبحث في الإيرادات العامة بعد العهد الراشدي . ويلاحظ هنا كثرة الإنفاق العام ولجوء الدولة الأموية إلى فرض ضرائب بأسماء وأشكال متنوعة . إلا أن عمر بن عبد العزيز يعتبر كل هذه الضرائب ظالمة ومخالفة للأصول الشرعية ويأمر بإلغائها قاطبة وبذلك يعود بالإيرادات العامة إلى نموذج العهد الراشدي نفسه . غير أننا نلاحظ توسع ظاهرة الصوافي والأملاك الاقتصادية التي تديرها الدولة مباشرة حتى إن العهد الأموي شهد ظهور ديوان للمستغلات يدير شؤون هذه الأملاك . كما نجد في هذا العهد ظهور الفتاوى من كبـار الأئمة المجتهدين بجواز توظيف الوجائب المالية عند الحاجة وجواز اقتراض بيت المال من الأغنياء .
وقد خصص القسم الرابع لبحث التطبيقات المعاصرة لخصائص الإيرادات العامة في صدر الإسلام . ويعالج هذه القسم ثلاث قضايا مهمة هي : أولا – دور الملكية العامة والقطاع العام الاقتصادي في توليد إيرادات عامة غير ضريبية . وثانيا – إمكان فرض الضرائب المالية على الناس عند الحاجة وأشراط ذلك . وأبين هنا أنه لابد من قياس وظائف الضرائب وأهدافها بالمعيار الشرعي الذي قد لا يبيح أخذ أموال الناس باسم الضرائب للأسباب التي تبرر عادة الضريبة في الأنظمة المالية الأخرى . وثالثا – مساهمة القطاع الخاص في تمويل الإنفاق العام على أساس تحقيق ربح مادي مشروع وغير ربوي للقطاع الخاص بواسطة أشكال المشاركة والمضاربة وعقود البيع الشرعية من جهة ، أو تمويل القطاع الخاص للإنفاق العام بواسطة الإقراض العام الاختياري والإجباري أو عن طريق التبرعات . |